السيد كمال الحيدري

305

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

أنّها تعتقد بأنّ الخالق سبحانه فوّض تدبير هذا العالم إلى بعض مخلوقاته ، الأمر الذي دفعها لكي تتّجه بالعبادة إلى هذه المخلوقات ، ظنّاً منها بأنّها التي تعطى وتمنع وتُحيى وتُميت وتَهب السلامة وتسلبها ، وتغنى وتفقر ، وتنفع وتضرّ . فما دام تدبير الوجود بيد هذه الموجودات ، فمن الطبيعي أن يتّجه إليها الإنسان بالخضوع والعبادة . وبذلك برزت المفارقة كبيرة بين توحيد هؤلاء في الخالقية وشركهم في التدبير والربوبية والعبادة . لقد تظافرت كتب الملل والنحل على حكاية أحوال هؤلاء سواء في ماضي البشرية أو في العصور التي اقترنت ببعثة خاتم النبيّين محمّد صلّى الله عليه وآله ، فيما حدّثت به عن ديانات الوثنيّين ومعتقداتهم . فالوثنيّون يؤمنون أنّ الله سبحانه هو الخالق لكنّهم مع ذلك يشركون في الربوبية والعبادة . هذه الحقيقة بما تنطوى عليه من مفارقة صارخة وغريبة ، تحدّث عنها القرآن الكريم بصراحة ، في مثل قول الله سبحانه : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ « 1 » ، وقوله : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ « 2 » ، وقوله : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ « 3 » . مع إيمانهم هذا بتوحيد الخالقية تراهم يتّجهون بالعبادة إلى ما سوى الله ، في ثنائية هابطة يدينها القرآن بعد أن يصفها ، بقوله : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَ فَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِىَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِى بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِىَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ « 4 » . تتحدّث الآية صراحةً عن شرك هؤلاء وإيمانهم بأنّ هناك موجودات تخلق وتنفع بنفسها من دون الله ، وأنّ الله فوّض إليها هذا الأمر .

--> ( 1 ) لقمان : 25 . ( 2 ) الزخرف : 9 . ( 3 ) الزخرف : 87 . ( 4 ) الزمر : 38 .